فيلم What they had…جميعنا سنرحل يوما ما

فيلم What they had…جميعنا سنرحل يوما ما


قيل : “الحياة فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان, أما الموت فهو الحقيقة الراسخة…” وقد نهفو في الحياة إلى زمن بلا عنوان وقد ننسى وننسى فلا يبقى لنا شئ لنذكره مع النسيان ويكفي أننا يوما تلاقت أقدارنا بلا إستئذان…وما النسيان سوى قلب صفحة من كتاب العمر قد يبدو الأمر سهلا لكن ما دمت لا تستطيع إقتلاعها ستظل تعثر عليها بين كل فصل من فصول حياتك. لقد تم تقديم موضوع “فقدان الذاكرة والنسيان” في السينما منذ قديم الأزل وبمعنى أصح “مرض الزهايمر” وكيف لا؟! والسينما إنعكاس مبهر لحياتنا اليومية ومعاناتنا وأوجاعنا وأمراضنا وذاتنا البشرية المليئة بالتناقضات والخبايا الجوهرية وكانت تلك الأفلام التي تناولت هذا المرض الشائك “الزهايمر” إحدى أجمل الأفلام الإنسانية التي تركت بصمة خاصة في قلوب المشاهدين نذكر أهمها وأشهرها فيلم النجمة العالمية “جوليان مور” Still Alice. إلا أن فيلمنا اليوم كسر القاعدة التقليدية لكل تلك النوعية من الأفلام التي تكاد تكون كئيبة بشكل مفرط فجاء فيلما دراميا عائليا بإمتياز مع نكهة ضحك خفيفة وقريبة للقلب وإبتسامة مؤثرة ستظل مرسومة على وجهك لوقت طويل بعد الإنتهاء من مشاهدته. وهو فيلم أمريكي صدر عام 2018 من كتابة وإخراج إليزابيت تشومكو وبطولة النجمة العالمية هيلاري سوانك حاصدة جائزتي أوسكار في مسيرتها والممثل مايكل شانون, والممثل القدير روبرت فورستر والقديرة بليث دانر وتايسا فارميغا. عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان صندس السينمائي في 21 يناير 2018, وتم إصداره في الولايات المتحدة في 19 أكتوبر 2018.

في الوقت الذي يخيم فيه فصل الشتاء في شيكاغو على المدينة تضطر الأسرة إلى المرور بأحد أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن يمر بها أي شخص. روث(بليث دانر) تعاني من فقدان ذاكرة مفجع وأصبحت في المراحل المتأخرة من الخرف. على الرغم من ذلك يرفض زوجها بيرت(روبرت فورستر) رفضا قاطعا التخلي عنها ووضعها في رعاية خاصة للأشخاص المصابين بالخرف, ويبدأ الفيلم بهروب روث من المنزل في منتصف الليل وسط عاصفة ثلجية وتجولها في المدينة لوحدها ضائعة ومشتتة على أمل ركوب القطار مرة أخرى إلى منزل طفولتها. إبنهما نيكي(مايكل شانون) تحمل أعباء صحة والدته لوحده إلا أنه بعد حادثة الليل مباشرة يطالب أخته بريدجيت(هيلاري سوانك) بالعودة إلى المنزل طالبا المساعدة ويتضح منذ اللحظة الأولى أن الأخيرة ليست سعيدة في حياتها مع زوجها الذي يبدو لطيفا بما يكفي لكنه ممل وإبنتها إيما(تايسا فارميغا) التي تم طردها من سكن جامعتها وتعاني من مشاكل شخصية مزمنة, تصل بريدجيت جوا من لوس أنجلوس مع إبنتها لتخفيف بعض العبء عن شقيقها نيكي ومن هنا تبدأ أحداث الفيلم ورحلته المؤثرة, الإنسانية والدافئة. فيلم إنساني رائع ونسبة إلى المقولة الشهيرة لمارتن سكورسيزي : “الأكثر شخصي هو الأكثر إبداعا” خاضت إليزابيت تشومكو تجربة إبداعية وسحرية مشابهة لأجدادها اللذين كرس لهم الفيلم, تجربة شخصية جعلتها تصنع فيلما حساسا وعاطفيا ومبهرا بمدى صدقه وصدقه تماما, وتثبت أنها صانعة أفلام موهوبة بالدرجة الأولى ومخرجة على قدر عال جدا من الإحترافية والتلقاء الشاعري والنفسي وإن كانت هذه تجربتها الإخراجية الأولى, فقد جسدت كل مشاعرها في دراما عائلية رائعة وميزت فيلمها الشخصي بعلاقاته المركزية بين أبطاله وشخصياته لنغدو أمام فيلما مستقلا لا مثيل له يصلح وبشدة أن يعرض في المهرجانات العالمية بعيدا عن التجارة والماديات وأرقام المشاهدات وشباك التذاكر التي لا قيمة لها على الأقل بالنسبة لي, فمضمون الفيلم ومحتواه أهم بأضعاف من مدى نجاحه جماهيريا. تبتكر تشومكو شيئا خاصا جدا مميزا وفريدا في هذا الفيلم والذي لم أره في هذا النوع من الأفلام : وهو إدخال الضحكة إلى قلوب المشاهدين بدون إستئذان قبل رسمها على وجوههم في قصة عائلية حزينة تدمع العين عند مشاهدتها بتفاصيلها المؤلمة ويضحك القلب عند التعمق بها لحد التأثير. تضحك الأسرة على بعض المداخلات من روث غير المنطقية, الضحك هنا هو أداة للتكيف مع هذا الواقع الأليم, وروث كونها غافلة إلى حد كبير تضحك مع الجميع, تلك اللحظات هي أجمل وأروع لحظات الفيلم وأكثرها صدقا ودائما ما تكون في منتهى الإحساس والعبقرية السينمائية الإنسانية أمام كاميرا تشومكو وعينها الثاقبة والحساسة وداخل قوة كبيرة في كتابتها ونصها الرائع المكتوب بدقة وحرفية وإنسانيات جديدة جميلة وأنيقة التي تشعرك بالأمان عندما يحين وقت البكاء. كما صور الفيلم شعور المدينة بطرق يميل العديد من صانعي الأفلام إلى تفويتها : هناك خط ساخر في هذا الفيلم يميزه عن الكثير من القصص الأكثر خطورة لفقدان الذاكرة في وقت متأخر والألم الذي يسببه في جميع أنحاء حياة المريض وحياة من حوله, وتشومكو مهووسة بإستكشاف تلك الزوايا المأساوية بالجاذبية العاطفية المناسبة بينما تعوضها في الدعابة التي تخلقها هذه المواقف في الحياة اليومية. هناك مزيج من الألوان التي تطغى على المدينة في نفس الوقت من العام تقريبا, وتستخدمها تشومكو بحكمة لصالحها, حيث ترسم شيكاغو كمساحة من المباني أحادية اللون الساحقة والعزل الثلجي حتى عندما يشع الدفء والإنسانية لعائلتها المركزية في الفيلم تبقى المشاهد الخارجية مصورة بشكل أنيق ورائع وعاكسة بشكل إيجابي جدا على القصة ومضمونها الدرامي.

بالنسبة لفيلم لا يتداعى بشكل مفرط أو مبالغ فيه معاناة مشاهدة شخصية أحد أفراد العائلة, تنقلنا القصة إلى عدة مراحل من المشاعر المدفونة داخلنا والعواطف الجياشة المحبوسة في ذاتنا البشرية, فيجعلنا الفيلم ندرك أن العائلة هي كل شئ يبقى للإنسان, هي هويته, هي أصله, هي ملجأه الدافئ, هي بإختصار مرآته الذي يتلهى عنها في مطبات الحياة ولا يهتم برعايتها إلا بعد فوات الأوان وللفيلم نقطة يؤكد عليها بشدة أن “كل ما يحتاجه المرء هو منزله”…فيلم يجعلك لا إراديا بعد مشاهدته أن تقوم مسرعا وتقبل والدتك ووالدك وكل أفراد عائلتك وتحمد الرب في كل دقيقة أنهم بخير وموجودين معك بجانبك وحولك. أما جميع الممثلين قد تألقوا في أداء أدوارهم على أكمل وجه, وبشكل خاص النجمة بليث دانر والتي أبدعت في تقمص شخصية مصابة ب”الزهايمر”, والنجمة العالمية هيلاري سوانك الملقبة ب”نجمة الأدوار الصعبة” شهادتي دائما مجروحة بها. من منا لا يتذكرها في فيلميها الأكثر شهرة ونجاح “طفلة المليون دولار” و”الصبيان لا يبكون”, وقدمت هنا إحدى أجمل وأرقى أدوارها, دور يحتاج إلى عشرات الصفحات للتأمل به والحديث عنه وعن عمقه الدرامي الرائع والذي أضاف بصمة لا تنتسى على مسيرتها وأرشيفها الحافل بالإختيارات الصائبة والأدوار المتنوعة والأفلام الثقيلة والمهمة والدروس التمثيلية التي تعطيها مجانا على الشاشة في كل فيلم تقدمه ودور تلعبه.

من المؤلم مشاهدة أحبائك يرحلون ولكن الأمر الأكثر ألما أن تفكر في المستقبل عندما لن يكونوا موجودين, والفيلم ملئ بالقلق بشأن هذا المستقبل حتى عندما يحاول إتخاذ خطوات صغيرة وبسيطة تجاهه…قصة نادرة عن العائلة, الحب, التضحية,الوقت,القناعة, الشيخوخة وخسارة الأحباء. هذا هو نوع الفيلم العاطفي الذي يحرك المشاعر ويقتلعها من جذورها إلى حد الدمع !

ينتهي الفيلم تاركا غصة في قلبك وأثرا كبيرا داخلك مع إبتسامة ممزوجة بحزن وشجن وبصيص أمل قادم حاملا راية واقع وحقيقة يصعب تقبلها أحيانا : “سيرحل أحباؤنا وسنرحل جميعنا يوما ما…ولن يبقى سوى ذكريات أليمة ولحظات سعيدة كنا نتمنى لو توقف الوقت عندها كي نبقى فيها, لا نغادر ولا نبتعد ونظل مع بعضنا البعض كما كنا ولا شئ يفرقنا في هذه الدنيا…”

-ايلي طايع-


%d bloggers like this: