All about my mother(Todo sobre Mi madre) Review

شخصياته تعيش في عتمة الروح, في عالم داخلي من الإكتئاب واليأس, وسط تفاصيل ملونة براقة وكثيفة تجمع في طياتها كل معالم النفس البشرية لا سيما جمالها كما قباحتها ومطباتها وخباياها يختزنها بصيص أمل وإشراق سحري. قصصه ميلودرامية متناغمة يرافقها أسلوب شاعري حالم غني بالرمزيات ومتوهج بالمشاعر العميقة والعواطف الجياشة الفائضة المليئة بزخرافاته وألوانه وبصمته الخاصة التي لا مثيل لها, لنغدو أمام دراما ألمودوفارية حادة, عميقة وصارخة…الحياة فيها من الظاهر ملونة وجميلة ولكن وراء هذا الصخب اللوني الخادع وداخل الباطن الخفي تكمن الحياة بقسوتها وآلامها ومعاناتها وتناقضاتها حتى اللحظة التي تنطق شخصياته بكل ما احتفظت فيه داخلها وتتعرى وتعرض الواقع المر كما هو بلا تصنع وإبتذال. إنه من دون أدنى شك أكثر المخرجين أصالة في السينما الإسبانية وأكثرهم تفردا وتميزا إنه المخرج الإستثنائي “بيدرو ألمودوفار”.

“أنا لا أعرف ما إذا كان هذا الفيلم هو أفضل فيلم لي حتى الآن لم يكن لدي الوقت لتحليله. للوهلة الأولى تبدو القصة كأنها قصة شنيعة, ولكن التحدي كان إظهار القصة على أنها شئ حقيقي وعاطفي”

هكذا تحدث بيدرو عن إحدى أجمل أفلامه الراسخة في ذاكرة السينما “All about my mother”

وقد حاز هذا الفيلم على أوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية لعام 2000 وتم إنتاجه في فرنسا وإسبانيا وصدر في سنة 1999 وهو من بطولة سيسيليا روث وبينيلوب كروز.

تدور أحداث الفيلم حول “مانويلا” التي تعمل كممرضة في جمعية التبرع بالأعضاء بالإضافة إلي إنها عملت في الماضي في فرقة مسرحية متجولة تحت عنوان “عربة إسمها الرغبة” ولعبت دور “ستيلا”

ووجود تلك المسرحية في الفيلم وبالتحديد شخصية “ستيلا” إن كانت لا تمس الواقع, فهي تداعب الواقع الأليم للمرأة بشكل عام ومانويلا بشكل خاص.

مانويلا لديها إبنا يدعى “ستيبان” يهوي الكتابة ويريد إستكشاف هوية والده التي تحاول أمه بكل حرص إخفاءها عنه لأسباب تتعلق بهوية والده الجنسية إلى أن تخسر الأم إبنها في ليلة ميلاده في حادث سير بعد وعدها له بأن تخبره بكل شيء عن والده  فيما الابن كان عازم على كتابة رواية عنها بعنوان “كل شيء عن أمي” مستوحاة من فيلم كل شيء عن حواء ومن رواية “موسيقى للحرباوات”، ولكن القدر يخطف ابنها بعد مشاهدتهما لعرض “عربة اسمها الرغبة”.

تنقلب حياة مانويلا رأسا على عقب فتحاول الخروج من حزنها العميق بعد أن تعود إلى موطنها الأصلي وتلتقي بأصدقاء جدد ونساء لكل منهم حكاية.

الفيلم مقسم لعدة مراحل تمر بها الأم، تبدأ بالفقدان لتقوم برحلة للماضي ومن ثم التكرار, فالمرحلة الأولى تنتهي بفقدان الابن لنرحل مع مانويلا الأم المكسورة التي تبرعت بقلب ولدها الشاب لشخص بحاجة له، والآن بعد خسارة الأم سبب حياتها الحالية تعود برحلة للماضي لنتعرف على قصة رحيلها هاربة من برشلونة لمدريد حاملة طفلها بعيداً عن والده، واليوم تعود بحثاً عن سبب رحيلها، وفي الرحلة الجديدة يتشكل أمام المشاهد تدريجياً تركيبات نسائية متنوعة ابتداءاً من الممثلة ورفيقتها والراهبة روزا ووالدتها والعاهرة، حيث يشكل صالون مانويلا فضاء لاجتماعهن وكلامهن.

يحقق بيدرو ألمودوفار هنا فيلما نسائيا بإمتياز مع خليط غير عشوائي ولكنه متعمد ومدرك كثيرا لعالم المرأة, فكل النساء في هذا الفيلم هم نساء على حافة الإنهيار خاصة مانويلا(الشخصية الرئيسية في الفيلم), كلهم يعانون من مشاكل نفسية وإجتماعية ويعيشون قصصا خارجة عن المألوف وفي منتهى الغرابة, من التحولات الجنسية والعلاقات الأسرية المتفككة, والماضي الأسود والموت والإدمان على المخدرات وصولا إلى فقد المناعة المكتسبة.

في فيلم غائب عنه الرجل تماما, استطاع ألمودوفار ببراعة عرض التحولات لدى كل شخصية من شخصياته النسائية وإبراز حقائقهم التي أظهرت المسار الحساس للفيلم بكل سلاسة وشكلت هويته الحقيقية, كل النساء يتصفن بنوع من الحساسية المفرطة التي تبني جزءا مهما من شخصية كل واحدة منهم وتضفي عليها شيئا من التفاؤل بالرغم من حياتهم الكئيبة والغير مستقرة طوال الفيلم.

يقتطع ألمودوفار في أفلامه دائما لحظة فاصلة وحاسمة من الحاضر. عندها يتغير كل شئ وتأخذ القصة منحى آخر كما يركب باقي الأحداث وفق هذه اللحظة, الحاضر عنده مثقل بالحركة ومفعم بالحياة ولكن يشوبه القليل من الغموض والصمت الثقيل, أما الماضي فهو مرآة الحاضر وتوأمه الملتصق به وهذا ما تجلى بشكل واضح في هذا الفيلم.

الشخصيات عند ألمودوفار من الصعب كرهها والنفور منها وإن كانت في كثير من الأحيان على خطأ,

لا عرضة للقدر في خيارات شخصياته وتصرفاتهم ومجرى حياتهم وليسوا خاضعين لرقابة ومحاكمة أخلاقية, شخصياته تطلق العنان للتعاطف معها ومعايشة أحاسيسها المعقدة دون الحكم عليها أخلاقيا, وهذه بإختصار صورة الإنسان لديه في جميع أفلامه, فالإنسان بالنسبة لبيدرو مهما كان شريرا وقاسيا إلا أنه يظل محتفظا بجانب الخير داخله ولا يوجد إنسان خلق شريرا.

“شخصيات أفلامي أغلبهم قتلة مغتصبون ومنبوذون ولكن لا أعاملهم كمجرمين, أتحدث عن إنسانيتهم”

شخصيات متباينة ومتناقضة مع ملامح شبه ثابتة ومتغيرة على الدوام.

للأم عند ألمودوفار تقدير كبير بفضل تأثره بأمه وبنساء أخريات وهذا ما دفعه للقيام بهذا الفيلم وهو المعروف عنه أنه مناصر كبير لحقوق المرأة.

“All about my mother” فيلم للمرأة وعنها وعن الأم بشكل خاص, وعلى مدى ساعتين تعج الشاشة بمجموعة نساء نغرق في تفاصيل حياتهم وتوجهاتهم وحاجاتهم ليغدو ألمودوفار مخرجا نسويا من الطراز الرفيع بعد هذا الفيلم, مقدما صورة الأم المثالية المقدسة وإن أخطأت بكل حب وحرص شديد ودقة وإحتراف يشهد له ولأرشيفه الحافل بالتحف الفنية, كما عزز هذه الصورة في تفريغه لشخصيات نسائية عديدة مقابل الشخصية المركزية “مانويلا”, وبإشباعنا نفسيا وفنيا من خلال تجسيده واقع كل منهم على قدر عال من الإبداع السينمائي راسما دائرة عريضة وكبيرة تحمي النساء وتحررهم من كل بشاعة الكون وتقدسهم بوجه مجتمع مريض وذكوري ومعادي للمرأة…

دائرة خلقت تحفة نسائية سينمائية خالدة في التاريخ من صنع الخلاق والخلوق والفنان دوما “بيدرو ألمودوفار”.

%d bloggers like this: