فيلم الآخر…إنتفاضة يوسف شاهين الإبداعية

بمجرد ذكر السينما المصرية والعربية لا نستطيع إلا أن نتوقف ونتحدث مطولا عن المخرج الأسطوري السابق لعصره وزمنه “يوسف شاهين”, ومن المؤكد أن شاهين, إحدى أهم صناع السينما في مصر والعالم العربي وأكثرهم وصولا للعالمية بأفلامه الفلسفية ونظرته الحياتية الصاخبة وإبداعه المتفرد والمستقل, إسم لمع لمعانا نادرا في تاريخ السينما رافقه جنونا فنيا عظيما وهائلا داخل شخصيته الغريبة ترجمه في معظم تحفه السينمائية حتى أصبح هذا الجنون مرآة سحرية عن نفسه الشغوفة والمتوهجة صور فيها بكاميراته كل هواجسه ومعتقداته وأفكاره التقليدية والعصرية في آن واحد. إنه عراب “الفن السابع” ومن المستحيل أن نتكلم عن السينما دون ذكر إسمه وتدوينه ببصمة خاصة على رأس القائمة. في 14 يوليو عام 1999 قدم المخرج الراحل يوسف شاهين واحدا من أهم أعماله السينمائية في حياته الفنية وهو فيلم “الآخر” والذي قدم بطولته كل من هاني سلامة وحنان ترك ونبيلة عبيد ومحمود حميدة ولبلبة والكثير غيرهم من النجوم وكان فيلم الإفتتاح في مهرجان كان السينمائي الدولي قسم “نظرة ما” ثاني أهم مسابقة في المهرجان وحصل المخرج يوسف شاهين على جائزة فرنسوا شاليه من مهرجان كان السينمائي. تدور قصة الفيلم حول آدم وحنان الحبيبان, حيث يأتي آدم من أمريكا, والده مصري ووالدته مصرية الأصل وأمريكية الجنسية (مارجريت), يقومان بعدة مشاريع إستثمارية وعقارية, ترفض الأم حب آدم لحنان فتسعى بشتى الطرق لإيقاف هذه الزيجة مستعينة بمجموعة إرهابيين أحدهما شقيق حنان المنتمي إلى مجموعة إرهابية وينتهي الفيلم نهاية مأساوية لكن واقعية تماما. ميز شاهين في أفلامه الصراعات النفسية بإستخدام أدوات فنية وسينمائية بمنتهى الإتقان والبراعة وإن لم تكن خاصة فقد استخدمها بشكل مميز وفريد من نوعه, فاستخدم التقطيع المكثف وسرعة اللقطات في المونتاج لإبراز الصراع والقطع الحاد والصادم داخل المشهد لصدمة المتلقي, كذلك رسمه للكادرات السينمائية التي تتحول تحت إدارة كاميرته وعينه الفنية الثاقبة إلى لوحات فنية مرسومة في غاية الجمال تتوق العين إلى رؤيتها والتمتع برونقها المثير الجذاب والأخاذ. كما منح الإضاءة دورا رئيسيا في المشهد لطرح أبعاد نفسية كرسم القلق والحزن والضياع واستخدم الحوار بذكاء وسلاسة رائعة بعيدا عن التصريح المباشر للشخصيات حول أسباب خللها النفسي وترك مساحة للمتلقي من أجل التحليل والتركيز داخل أعماق الشخصيات وأبعادهم الإجتماعية والوطنية والدرامية, فشخصيات يوسف شاهين ثورجية, حادة الطباع, صارخة ومنتفضة, ذكية, شريرة, طيبة ولكن حتى داخل طيبتها يكمن شر مكتوم ينتظر لحظة ظهوره الأول وربما الأخير. في فيلمه هنا, حاول شاهين إثارة الأسئلة حول عدة قضايا رئيسية تهم عصرنا وهي العولمة والإرهاب والتكنولوجيا الفاسدة وخطورتها وبالذات ما تتركه من تأثيرات على الشباب اللذين اعتبرهم شاهين “معزولين” و”منبوذين” ولا أحد يستمع إلى آرائهم ووجهات نظرهم بشأن الحياة. فيلم لخص نبض الشباب ونبض حياتهم العالقة بين معتقدات قديمة ما زال تأثيرها منذ سنين طويلة كبير حتى اليوم وبين مجتمع لا يرحم وسط إرهاب يحرق كل من حوله وإن كان بريئا. فيلمه هذا كان وما زال “خطوة مهمة جدا نحو سينما شابة” أبطالها يشبهوننا في أفكارهم وأحلامهم وطموحاتهم وربيع مستقبلهم المجهول. وعند مشاهدتك لهذا الفيلم عليك أن تكون صاحب رؤى عميقة وفلسفية وتوتر عال, فأفلامه كثيفة العمق والرمزيات والنخبوية الحديثة, بحيث تلتقط الأحداث وتلتحم بها إلتحاما ثقيلا يجعلك تصبح على صلة ومعرفة بكل الأجيال, وتستوعب المناخ السائد وتضبط نبضك مع نبض الشارع ومتغيراته, مع مشاكل الشباب وأحلامهم, خوفهم, علاقتهم بالحب, بالحياة, بالسياسة, بالمجتمع وبالوطن بأكمله…كل هذه القضايا تصبح نواة سينما شابة ومبتكرة الخلق والصنع تتعامل مع العصر بإيقاعه وأدواته وتناقضاته الحتمية. ضمت الشخصيات المحورية في الفيلم مارجريت، الأمريكية الممثلة لهيمنة الولايات المتحدة، وهي سيدة بلا قلب، محطمة داخليًا، فتحطم كل ما يعيقها عن تحقيق آمالها، حتى لو كان هذا أمل ابنها. لمح الفيلم إلى علاقة أوديبية بين مارجريت وابنها الوحيد آدم، خاصة وأنه لا يربطها بزوجها رجل الأعمال المصري شيء غير المشاريع العابرة للقارات. تظهر هذه العلاقة غير السوية فور وصول آدم إلى مصر.ظهرت العقدة الأوديبية في الفيلم دون معرفة سبب نشوئها في الماضي، وقبل أن يسافر آدم لأمريكا وعند طفولته، وربما وُجدت باعتبار أن الأم مارجريت هنا هي «أمريكا». ودعم وجود العقدة شخصية الأب المزاحِمة في الأحداث، حتى أنه لا يعترض على زواج آدم من حنان الفقيرة، الزواج الذي ينفي كل رغباته في جمع المزيد والمزيد من المال، ومبرر هذا ربما كان افتقاده الحب والحياة الزوجية السعيدة. وظهرت العقدة ثانية عندما سخرت مارجريت من علاقات ابنها لتؤكد له أن حنان مثل الباقيات، وهنا كان من ضمن علاقاته التي أكدت عليها علاقته بامرأة في مثل سن مارجريت. تكررت العقدة مع تطور علاقة آدم وحنان، واغتصابه لها بعد تحقيقها الصحفي عن فساد مشروعات والديه، وسقوط الوجه الوطني وظهور وجه آدم الأمريكي، لكنه يعود ثانية لها وقد تحرر من عقدته تجاه والدته عندما هجر المنزل وذهب ليعيش مع حنان ووالدتها في بيتهما البسيط؛ القرار الذي دفع مارجريت لإظهار أسوأ وجوهها على الإطلاق.
 
فيلم “الآخر” إحدى تحف يوسف شاهين الراسخة في ذاكرة السينما للأبد وكيف لا ؟! وكل فيلم صنع من تحت أنامله السينمائية السحرية هو فيلم خالد في مكتبة السينما العربية والعالمية أيضا. أفلام الراحل الإستثنائي ببساطة هي توأمه الروحي الملتصق به ومن الصعب الإنفصال عنه…أفلامه ومسيرته الحافلة بالتألق والإبداع كالخمر المعتق تزداد قيمة وعظمة مع مرور الزمن.

-ايلي طايع-

%d bloggers like this: