السرد المكثف لا يفيد دائما ! Wasp Network…

تقع الأفلام بعض المرات في فخ “السرد المبالغ فيه” أو يمكننا تسميته “السرد المكثف” والذي يظهر بوضوح ضعف القصة الرئيسية وتشتت الخطوط الدرامية الفرعية بدلا من إبراز العمق الدرامي للفكرة أولا وللشخصيات ثانيا, وإن كان الكتاب يعتبرونه “سلاح ذو حدين” لقول كل شئ يريدونه وتفريغ كل ما يختزونه داخلهم من أفكار وقضايا تشغلهم إلا أن “السرد المكثف” كما أردنا تسميته داخل فيلم مدته لا تتجاوز الساعتين قد يكون عنصرا سلبيا وإنعكاسا غير جيدا في كيفية تلقي المشاهد للقصة والتعايش معها وإستعيابه لحوارات كثيفة ومملة أحيانا وعديمة النفع وهذا ما تجلى واضحا في هذا الفيلم الجديد الذي يعرض على منصة نتفلكس العالمية من تأليف وإخراج أوليفيير أساياس وبطولة إدغار راميريز وبينيلوب كروز وآنا دي أرماس والكثير غيرهم من النجوم. تدور أحداث الفيلم عن الطيار الكوبي رينيه جونزليس (إدغار رافيريز) الذي يطير على مدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأمريكية, وذلك بغية إنضمامه إلى تنظيم مناهض لنظام فيديل كاسترو ودخوله عبر عدة جمعيات وأنشطة حزبية وسياسية بهدف تحرير كوبا من الظلم الذي يسودها. كما يتناول الفيلم قصة خمسة سجناء سياسيين كوبيين ممن ضمنهم رينيه كانت الولايات المتحدة قد سجنتهم منذ أواخر التسعينات بتهمة التجسس والقتل. بالرغم من المشكلة التي وقع فيها الفيلم منذ بدايته لا يمكننا إنكار أنه فيلم جيد بشكل عام ومصنوع بدقة وإحترافية والمجهود المبذول من كل فريق العمل وصناع الفيلم كان واضحا جدا على الشاشة ولكن كان من الممكن جدا أن يكون فيلما أفضل بمعايير وعناصر درامية وقصصية أفضل لا سيما أنه يعالج قضية وطنية في غاية الأهمية والجدية. تحدث الفيلم بشكل كاف ودقيق عن سيطرة “الولايات المتحدة” على “كوبا” وصور بشكل بارز وأنيق حالة التجسس الكوبي والهجرة في التسعينات كما اهتم بمزج التقاطع السياسي والشخصي لدى شخصياته وقدم قصصا عن الرجال والنساء الملتزمين بقضية تحدد حياتهم ومصيرهم ومصير أحبائهم ووطنهم, غير أن “السرد المكثف” داخل الفيلم أفقد الشخصيات أقواسها (مفاتيحها) الأساسية والرئيسية ضمن الأحداث فيشعر المشاهد لبرهة أنه نسي قصة الفيلم بأكملها كأنه لم يبدأ بالمشاهدة أساسا, فينتابه إلحاحا داخليا شديدا بإعادة إنشاء الشخصيات في رأسه وتركيبها وبناء هيكلة الفيلم من جديد. الحوارات الطويلة والخطوط السردية الضعيفة التي لا تنتهي إضافة إلى تفاصيل مملة وحشو سردي لا قيمة له…كل تلك العناصرالمذكورة أفقدت للحظات معدودة نكهة الفيلم الأساسية, وتسببت في ضياع المشاهد وتشتته الفكري وأفقدته تركيزه, فأصبح مشوشا بين شخصيات ثانوية كثيرة لا داعي لها ولم تضف أي شئ جوهري على الفيلم إلا أن كثافة السرد قد تم إعادة النظر بها في آخر 20 دقيقة من الفيلم وتم تخفيفها بشكل مفاجئ لنعود ونغدو أمام القصة المحورية(وهي في الأساس القصة الرئيسية) بين رينيه وزوجته أولغا وبناتهم الصغيرات ومصير كل واحد منهم المتعلق بقضية يناضل الأب لأجلها. ومع ذلك, يمكن للمرء أن يرى بوضوح تام ورؤية سينمائية معهودة حرفية, مهارة وبراعة الممثلين طوال الفيلم واللذين قدموا أدوارهم على أكمل وجه, وبشكل خاص النجمة “بينيلوب كروز” التي تألقت كعادتها بأداء هادئ وأنيق وبتصميم مبدع لدورها وتقمص هائل لشخصيتها كنت أتمنى شخصيا أن يكون هذا الأداء الرائع في فيلم أفضل بشكل عام, كما ترفع القبعة للممثل “إدغار راميريز” الذي يذكر المشاهد بمدى جاذبيته على الشاشة عندما يتم منحه شخصية فعلية ودور قوي. ولا يمكننا هنا إلا أن نشيد بمدى الإنسجام بينه وبين بينيلوب حيث شكلا سويا ثنائيا جميلا متناغما وكانت كيمياء رائعة تجمعهم سويا في أفضل لحظات الفيلم, فمشاهدهم كان من أجمل وأفضل مشاهد الفيلم على الإطلاق. أما الممثلة “آنا دي أرماس” فقد كان حضورها بالنسبة لي باهتا ولم تقدم أي جديد يذكر, وقد مرت مرور الكرام دون ترك أي أثر لدى المشاهد أو صنع بصمة خاصة وهوية فريدة كبينيلوب التي تبدع أينما حلت.

فيلم جيد في العموم وليس مخيبا للآمال بتاتا ولكنه لم يكن على قدر التوقعات.

-ايلي طايع-

%d bloggers like this: